رام الله بين ذاكرة الاحتجاجات وواقع الحياة اليومية: حين تتجاور المآسي مع مظاهر الاحتفال

رام الله بين ذاكرة الاحتجاجات وواقع الحياة اليومية: حين تتجاور المآسي مع مظاهر الاحتفال

كأنني كاميرا مراقبة مثبتة في زاوية مقهى جديد بشارع الإرسال في رام الله، وتحديداً في الطابق الثاني المطل على أحد أكثر شوارع المدينة حيوية. افتتح المقهى فرعه حديثاً، معلناً في هويته البصرية أنه يجمع بين التراث والحداثة، وهي عبارة تتكرر كثيراً في عالم التسويق، لكنها تظل غامضة في معناها وتطبيقاتها.

وبين أصوات الجالسين وضحكاتهم التي تتردد في أرجاء المكان، ودخان النرجيلة الذي يملأ الأجواء، وجدتني أستعيد ذكريات قديمة ارتبطت بشارع الإرسال. هنا مرّ باسل الأعرج حاملاً العلم الفلسطيني، وهناك قُمعت احتجاجات رافضة لزيارة موفاز، وفي هذا المكان تسللت عناصر أمنية بملابس مدنية، وفق ما يتذكره الكاتب، لتفريق المشاركين في حراك «ارفعوا العقوبات» عن غزة، مستخدمة القوة لإسكات هتافاتهم.

وعلى الرصيف نفسه، اعتُقل محتجون غاضبون على اغتيال الناشط نزار بنات. وفي مواقع متفرقة من الشارع، واجه شبان وشابات خرجوا للتعبير عن غضبهم إزاء مجزرة المستشفى الأهلي العربي، المعروفة بمجزرة المعمداني، الهراوات وقنابل الغاز المسيل للدموع. كما شهدت تلك الاحتجاجات، بحسب رواية الكاتب، ملاحقات للمتظاهرين باستخدام المركبات الأمنية، وسط وقوع إصابات وسقوط قتلى.

لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً؛ فالشارع الذي احتضن هذه الأحداث، وشهد صرخات المحتجين وغضبهم، بات يبدو وكأنه فقد شيئاً من ملامحه السابقة.

«ماذا تريد أن تطلب؟»

فاجأني السؤال وأنا غارق في ذكرياتي، فأجبته بأنني أحتاج إلى بعض الوقت للتفكير.

أخرجت هاتفي ومسحت رمز الاستجابة السريعة الموجود أمامي لفتح قائمة الطعام، رغم يقيني بأنني سأختار المشروب نفسه الذي اعتدت طلبه في كل مرة. لكنني قررت أن أمنح نفسي فرصة لتجربة شيء مختلف، بعدما أضاف المقهى أصنافاً جديدة إلى قائمة مشروباته.

وقعت عيناي على أسماء مثل «يافا» و«عكا» و«القدس»، قبل أن أتوقف عند اسم لم أتوقع رؤيته: «هيروشيما».

نعم، هكذا سُمّي أحد المشروبات!

بدا الأمر وكأن الأفكار التسويقية قد استنفدت خياراتها، فلم يعد أمام أصحابها سوى استحضار مآسي الآخرين وجراحهم وتحويلها إلى أسماء تجارية. إنها مفارقة تكشف كيف يمكن للتسويق أن يتجاوز حدود الابتكار إلى استغلال الذاكرة المؤلمة، فيحوّل المأساة إلى وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق التميز التجاري.

من أجواء الحداد إلى صخب الحفلات والمهرجانات

عند الحديث عن المقاهي في رام الله، تعود الذاكرة إلى الأشهر الأولى التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. يومها، بدت المقاهي وكأنها تعيش حالة حداد؛ غابت الأغاني والموسيقى الصاخبة، وحلّ القرآن الكريم مكانها.

ومع مرور الوقت، بدأت الأجواء تتغير تدريجياً، فحلّت الموسيقى الهادئة محل القرآن، قبل أن تعود المقاهي شيئاً فشيئاً إلى نمطها المعتاد، بكل ما يحمله من ضجيج وأغانٍ وازدحام.

اليوم، لا تكاد الحفلات والمهرجانات تتوقف في المدينة، ويرتفع صوت الموسيقى إلى درجة تحجب معها، مجازياً، صرخات الاستغاثة القادمة من القرى المحاذية للمستوطنات، حيث يواجه السكان اعتداءات متواصلة.

وفي كل مرة كنت أزور فيها طولكرم، المدينة التي تعرضت لحملة عسكرية إسرائيلية طويلة بدأت منذ مطلع العام الماضي، كان أهلها يسألونني عن الأوضاع في رام الله، قبل أن يختصروا انطباعهم عنها بعبارة اعتادوا ترديدها: «رام الله عالم ثاني!».

تبدو هذه العبارة، في سياقها، أكثر من مجرد وصف للاختلاف بين مدينتين؛ إنها تعبير عن شعور بوجود مسافة واسعة تفصل بين واقعين يعيشان داخل الجغرافيا الفلسطينية نفسها، لكنهما يبدوان مختلفين في مستوى المعاناة اليومية وفي طبيعة الحياة التي يفرضها الاحتلال.

أما منظمو الحفلات والمهرجانات، فإن بعضهم يحاول استحضار المأساة الفلسطينية من خلال شعار «المقاومة بالفن»، وكأن هذا الشعار وحده يكفي لتفسير العلاقة المعقدة بين الفن والواقع السياسي والاجتماعي.

يستحضر الكاتب هنا صورة ساخرة من عالم الطب؛ فعندما يعجز الطبيب عن تحديد مرض بعينه رغم استماعه إلى مجموعة من الأعراض، قد يلجأ إلى تشخيص عام لا يفسر الحالة بدقة. وعلى المنوال نفسه، يرى أن عبارة «المقاومة بالفن» تتحول أحياناً إلى إجابة جاهزة تُستخدم دون مساءلة حقيقية عن مضمونها أو مدى ارتباطها بالواقع.

الأعراس والجنازات: مشاهد متجاورة في حياة الفلسطينيين

كما تتجاور منشورات التهاني والتعازي على مواقع التواصل الاجتماعي، باتت مواكب الأعراس تمر بمحاذاة مشاهد الحزن والفقد، في صورة تختصر التناقضات التي يعيشها الفلسطينيون.

خلال الاقتحام الطويل لمخيم قلنديا، وبينما كان الأهالي يواجهون التضييق والتنكيل، لم تتوقف مظاهر الاحتفال في المناطق القريبة. فعلى بعد نحو كيلومترين فقط، كانت السيارات تجوب الشوارع احتفالاً بزفاف أحد العرسان، مصحوبة بأصوات الزوامير المرتفعة، والدراجات النارية التي تتنافس في إحداث الضجيج، فضلاً عن إطلاق الأعيرة النارية.

ولم يكن ذلك المشهد استثناءً منفرداً. ففي الرابع والعشرين من تموز/يوليو 2026، وبينما كان أهالي قرية تل يدافعون عن أراضيهم في مواجهة هجمات المستوطنين، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة أفراد من عائلة واحدة، كانت مناطق أخرى تشهد احتفالات بإعلان نتائج الثانوية العامة «التوجيهي»، تخللتها الألعاب النارية وإطلاق الرصاص وأصوات السيارات.

هكذا، تتجاور مشاهد الفرح والحزن في المكان والزمان نفسيهما، دون أن يبدو أن أحدهما قادر على إيقاف الآخر أو حتى إبطاء إيقاعه.

ويستعيد الكاتب حديثاً لصديق عبّر بحسرة عن صعوبة التخلي عن بعض العادات الاجتماعية، قائلاً إن الفلسطينيين لا يستطيعون الاستغناء عن أمرين: العزائم في شهر رمضان والأعراس.

كانت عبارته أشبه بمحاولة لفهم هذا التناقض بين التمسك بالحياة والاستمرار في الاحتفال من جهة، والواقع المليء بالخسارات والمآسي من جهة أخرى.

وفي ختام تأمله، يستحضر الكاتب معنى شعرياً لمحمود درويش، يحذر فيه من الفرح وخيانته القاسية، وكأنه يجد في هذه الكلمات تعبيراً عن شعور يتجاوز الحزن العابر إلى القلق من فرح يأتي في توقيت لا يبدو فيه العالم مستعداً للاحتفال.

وبين ضجيج المقاهي وصخب المهرجانات، وذكريات الاحتجاجات وأصوات الرصاص، تظل رام الله مدينة تتجاور فيها الحياة والموت، والفرح والفقد، في مشهد يطرح أسئلة صعبة عن الذاكرة الجماعية، وعن قدرة المجتمع على التوفيق بين حقه في الحياة وضرورة عدم الانفصال عن آلام من يعيشون المأساة.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *